recent

الاستثمار في خلق الأوبئة تعبير عن تجرد الإنسان من إنسانيته

د. عبد اللطيف سيفيا

الاستثمار في خلق الأوبئة تعبير عن تجرد الإنسان من إنسانيته

بقية الحديث … قد لا نستطيع اتهام أي أحد أو جهة معينة أو نحمل المسؤولية لأي كان في انتشار هذا الوباء الغريب ، لكن الزمن كفيل بكشف المستور وتوضيح الحقاثق ، وحينها سيمكن إصدار حكم في حق الجناة . لكن السؤال المطروح بقوة هو هل يستطيع الإنسان فعلا الاستثمار في أرواح إخوانه من بني الانسان لهذه الدرجة من اللاإنسانية ؟
فلم يكن يخطر على بال بشر أبدا ، منذ ظهوره على وجه الأرض ، أن تقوم أي جهة على الإطلاق ، سواء كانت أشخاصا ماديين أو معنويين أو هيئات أومؤسسات مالية أو اقتصادية أو حتى سياسية أو أي نوع من القوى المتحكمة والمستبدة ، لتستغل مأساة الناس وتستثمر في تعاستهم وهلاكهم مرورا باستغلالهم والاستبداد بهم والاستحواذ على ممتلكاتهم وحقوقهم ونسف أسس حضارتهم ومنع مستحقاتهم ، الأمر الذي رأيناهم يتفننون في تكريسه بلا هوادة على بني جنسهم وجلدتهم متناسين انتماءهم إليهم أحب من أحب وكره من كره ، بل هم شركاء في أمور لا متناهية يفرضها عليهم الزمن والتوازن الطبيعي ، يتقاسمون نفس المصير بدرجات متفاوتة أحيانا وأحيانا أخرى توزع بينهم بالقصطاص والديمقراطية الشفافة والعدالة الإلاهية المتمثلة في فرض القضاء والقدر المحتومين .
كل هذا يمكن أن نستوعبه ونتقبله بكل أريحية ، بالإضافة إلى ما يمكن أن يتصف به الإنسان بطبعه وبصفة عامة من أنانية وجحود وطمع ، مما يدفعه إلى التنكر لبني طينته وللعديد من الخصال الحميدة التي يحملها في عمقه ويحاول كتم صوتها وقطع نفسها وخنقها داخل غمده حتى لا ينفضح أمره ، ظنا منه أن ظهورها للعلن سيفقده قوته ويجعله يظهر في موقف ضعف ومماثل لهم ، فيستغل ذلك الأخرون ويتطاولون عليه فيرفضون طاعته واحترامه . الأمر الذي يدفعه إلى سلك طرق عديدة في الظهور بمثابة الشخص المميز ليتبنى كل الوسائل ويتبع كل السبل في إعطاء مكانة لنفسه في المجتمع ، لا يهمه إن كانت هذه الوسائل شريفة أم لا ، المهم أنه يسعى إلى تحقيق مآربه بكل الطرق الممكنة ، بل غالبا ما يعتمد على الحيل والتمويه وطمس الحقائق والنصب والاحتيال ، ضاربا كل المبادئ والقيم عرض الحائط ، مستغلا حسن نية الناس ، معتبرا إياها سذاجة وغباء أو خوفا وتملقا ، أو ضربا من ضروب الخداع و الاحتيال عليه من طرف الآخر ليبلغ منه ويقضي حاجته. كل هذا يمكن أن نتجاوزه ونغض الطرف عنه ، لكن أن تبلغ الوقاحة بجهة من الجهات التي ذكرتها سابقا ، ويبلغ بها المكر والخبث إلى التجرد من الإنسانية ، والتفكير في إداية أخيه الإنسان بطريقة لا يقدم عليها حتى حيوان الغاب المتوحش والذي خلق أصلا ليفترس ، ومع ذلك يبين هذا الأخير أحيانا كثيرة على ميزات الرأفة والرحمة اللتين يتميز بهما وهو حيوان بطبعه وصفاته وما تفرضه طبيعته وبيئته . ومع ذلك فإن إخواننا وبني جنسنا هؤلاء ، يفوقون هذه الحيوانات وحشية ويبرعون في توظيفها بشكل لا يصدق ، حين تجد وقاحة رجال المال والأعمال تدفعهم إلى شراء الذمم والاستثمار في خلق الأوبئة والمتاجرة في أرواح الناس ، مثلما ظهر خلال جائحة كورونا التي أصبحت خطا أحمر، تجاوزه قد يأتي بحتف العلماء والزعماء على حد سواء . ويبدو أن جائحة كورونا رغم سلبياتها الكثيرة على المجتمعات والأنظمة وغيرها ، قد بدأت تزيح ستار الكواليس والمستور من ألاعيب بعض الجهات النافذة والتي تتوفر على سلطة مطلقة في هذا الكون بعد الله ، لا سلطة تضاهيها أوحاجزا يقف في وجه طموحاتها ، ولا قرار فوق قرارها . سلطة لا يصلها الخيال وقدرة على افتعال كل ما لا يخطر للبشر على بال ، أو حتى يأتي بخبره جن ولا شيطان. إبداع في تأدية أدوار مسرحية ملحمية ودقة في توزيع أدوارها وحبكة في كتابة سيناريوهاتها وإتقان في عرض فصولها واختيار ممثليها وكومبارساتها ومواضيعها والتدقيق في توزيع الأدوار والديكورات المعتمدة والمؤثرات بشتى أنواعها للتأثير على المشاهد والمتفرج لتنشط ذهنه وتقوم بإشراكه في الفاعلية المسرحية وجعله معنيا بقواعد اللعبة التي تنطلي عليه أهدافها وأبعادها القريبة والبعيدة فيصبح منغمسا في إيديولوجياتها ضمنيا لتتجدر في أعماقه وتنبعث من داخله على شكل تصرفات يقوم بها بطريقة أوتوماتيكية ويتبناها في واقع حياته العملية بين أسرته الصغيرة والكبيرة متبعا كل ما تحمله في طياتها الغامضة والمبهمة من مبادئ وقرارات دون التفكير في ملاءمتها لمصلحته الحقيقية أو عدمها ، موازاة مع ضرب كل مبادئه القيمة ونسف كل أسسها الإنسانية والاجتماعية … وللحديث بقية.
matchpresse.com

matchpresse.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.