recent

ماذا لو استفادت الدول المغاربية والعربية من دروس الجائحة لتشكل قوة اقتصادية مستقلة ورائدة ؟

* عمود للحديث بقية بقلم : د. عبد اللطيف سيفيا


ماذا لو استفادت الدول المغاربية والعربية من دروس الجائحة لتشكل قوة اقتصادية مستقلة ورائدة ؟    
- الجزء الثاني -

بقية الحديث … أما ليبيا فبسبب سيطرة الديكتاتور القذافي على مقدراتها ، يظن الكثير أنها دولة فقيرة من حيث الموارد الطبيعية، إلا أن هذه الصورة ليست صحيحة حسبما سيتبين من خلال المعطيات التالية :
فالنفط في ليبيا يشكل العماد الأساسي للاقتصاد الليبي قبل القذافي وبعده، حيث يمثل ما يفوق نسبة %60 من العائدات المالية.
وتتوفر ليبيا على احتياط نفطي قدره 41,5 مليار برميل، وتنتج في المتوسط حوالي 2 مليون برميل يوميا.
كما تملك احتياطات مهمة من الغاز الطبيعي، تقدر ب 52,7 تريليون قدم مكعب، وتنتج حوالي 11 مليار متر مكعب يوميا من الغاز.
وبالإضافة إلى كل تلك الثروات فليبيا تتوفر أيضا على موارد بيتروكيماوية مهمة، والحديد والصلب والأسمدة والإسمنت ومواد البناء.
فبإمكان دولة تملك مثل حجم تلك الثروات مع ساكنة لا تتجاوز 7 ملايين أن تحقق الرفاه لمجتمعها، لكن الصورة ليست كذلك في الواقع الليبي، حيث يسجل هذا البلذ معدلات بطالة تصل إلى %20، كما يعرف انهيارا اقتصاديا ومجتمعيا وسياسيا بعد سقوط القذافي، بسبب الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية .ولفهم الشأن الليبي يجب أن نعرف وضع البلاد وما يحدث فيها بحيث يتوضح أن ثلاثة وعشرين كيانا مسلحا منتشرا في أرضها يدينون لعدة جهات خارجة تود الانقضاض على خيراتها والاستحواذ على مكتسباتها المادية والمعنوية
فقد تفاءل الليبيون بغد حافل باستغلال الثروات بعدما انهار نظام القذافي، إلا أن الفساد الاقتصادي والإداري والسياسي الذي صدرته إليها دول وأنظمة استعمارية فاسدة وجاحدة ، خلقت فيها التفرقة بزرع نار الفتنة والحرب طمعا في خيرات أرضها ، أجهض كل تلك الأحلام .
فليبيا تحتل المرتبة 146 من مجموع 176 في معدل الفساد حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية (ترانسبيرانسي) لسنة 2014.
ولا توجد بعد في الواقع دولة المؤسسات في ليبيا، حيث الحكومة المعترف بها دوليا لا تملك لا سيادة ولا سلطة على الأراضي الليبية، وإنما هناك فقط فصائل متعددة التوجهات تتصارع فيما بينها للسيطرة على الآبار النفطية، التي ستمول بعائداتها المالية حروبها القتالية، وليذهب المواطنون إلى الجحيم!
أما تونس ، فليست لديها ثروات بحجم البلدان المغاربية السابقة، إلا أنها تملك ما يكفي ويزيد لساكنة لا تتجاوز 11 مليونًا، حيث تتوفر على موارد فلاحية وبترولية ومعدنية.
كما توجد بتونس كميات لا بأس بها من الموارد البترولية، إذ تنتج ما معدله 97600 برميل يوميا من النفط، كما تحصّل ما يقارب النصف من مصادرها الطاقية فقط من الغاز الطبيعي، الذي تتوفر عليه.
وتبلغ احتياطات تونس في الغاز الطبيعي حوالي 65 بليون سنتيمتر مكعب، بينما يبلغ المخزون الاحتياطي للنفط 450 مليون برميل، حسب بيانات وكالة الاستخبارات الأمريكية.
وتعتمد تونس أساسا على مواردها النفطية في تلبية حاجياتها الطاقية، ما يخفف عن اقتصادها عبء الاستيراد.
كما تتوفر تونس أيضا على ثروة مائية مهمة تعادل %5 من مساحتها الإجمالية، الشيء الذي يساهم في ازدهار النشاط الفلاحي، وتلبية حاجات المواطنين التونسيين من المياه، علاوة على أن لديها %17,35 من مساحتها الإجمالية، صالحة للزراعة.
وتطل تونس على واجهتين بحريتين أمام البحر الأبيض المتوسط، ما قد يوفر لها اكتفاءً ذاتيا في الثروة السمكية.
هذا وتزخر تونس أيضا بثروات معدنية، بدءًا من الذهب والحديد والفوسفات والزنك والملح، تنتج منها كميات مهمة.
وعلى الرغم من الثروات التي تتوفر عليها تونس إلا أن مردودها، حتى بعد سقوط الديكتاتور بن علي، لا يزال بعيدا شيئا ما عن ساكنة المناطق المهمشة في تونس، حيث البطالة متفشية.
ويرى مراقبون أن تونس بإمكانها مستقبلا تحقيق تنمية حقيقية ورفاه لمجتمعها، إذ تسير في درب دولة الديمقراطية والقانون، خلافا لكل الدول العربية، هذا طبعا إن استطاعت التغلب على الاضطرابات السياسية وأحداث العنف داخل البلاد، وحافظت على نضج وتوافق مكوناتها السياسية في عهد الرئيس الجديد الذي حصل على نسبة كبيرة من الاصوات المعبرة عن إرادة الشعب وتفويض الأمر له في ترسيخ معالم الديمقراطية والأمن والامان وتحقيق التقدم والازدهار.
أما موريتانيا فتعتبر أفقر دول المغرب العربي، إلا أن لها هي الأخرى حظها من الثروات البترولية والمعدنية والبحرية أيضا.
بحيث تبلغ الاحتياطات المؤكدة من النفط في موريتانيا 600 مليون برميل، لا تتمكن من الاستخراج من هذا المخزون سوى 8000 برميل لليوم، ويمثل النفط في السنتين الأخيرتين في موريتانيا %3 من الناتج الداخلي الخام، أي ما يعادل 160 مليون دولار لسنة 2013، حسب إحصاءات البنك الدولي.
كما تتوفر على فرص مهمة لاستثمار مصادر طاقية، حيث تم الكشف عن احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي، مثلما يسودها مناخ شمسي شبه دائم يشجع على استثمار المشاريع السياحية بقوة.
وتملك أيضا موريتانيا موارد معدنية هامة، نذكر منها الحديد الذي يناهز إنتاجه 1,1 مليون طن في السنة، وهي نسبة قليلة مقارنة مع المخزون الضخم لهذا المعدن الذي تكتنزه، كما تعد موريتانيا ثانيَ مصدِّر له على مستوى القارة الأفريقية ككل بعد جنوب أفريقيا.بالإضافة إلى إصدارها للذهب والنحاس، إذ تنتج بالمتوسط 2000 أونصة ذهبية و45000 طن من النحاس سنويا.ناهيك عن توفرها على واجهة بحرية، تزخر بثروات سمكية هائلة من حيث الكمية والجودة.
لكن موريتانيا تعاني من ضعف شديد في استغلال ثرواتها، نظرا لهشاشة الدولة وضعف التدبير وشح الاستثمار.
كل هذا يرسم للمنطقة المغاربية لوحة طبيعية متكاملة ومتناسقة الألوان والمضامين نظرا لما تشمله من ثروات كثيرة ومتعددة يمكن بواسطتها تحقيق حلم تأسيس سوق إقليمية غنية بالمصادر الشخصية لتجعل منها قوة اقتصادية فريدة من نوعها ووازنة ، تستطيع فرض نفسها بقوة .
لكن لابد من الإشارة إلى أن الموارد الطبيعية لا تمثل شيئا إن افتقدت الدولة للموارد البشرية والحكامة وحسن التدبير. بحيث هناك الكثير من البلدان التي بخلت أرضها على أهلها من خيراتها، إلا أنها استطاعت تحقيق ازدهار ورفاه لشعوبها، واليابان واحدة منها، التي تزخر أرضها بالبراكين والزلازل ، والصين أيضا التي تضيق بها أرضها المكونة من أرخبيلات وسلاسل جبلية وعرة بالإضافة إلى افتقارها للمعادن الأولية الصناعية والطاقية التي تضطر إلى استيرادها من الخارج كالبترول وغيره ، كما تفتقر إلى الأراضي الفلاحية الصالحة للزراعة مما دفعها إلى البحث عنها بالعديد من الدول الإفريقية التي تقوم بكراء أو شراء ألاف الهكتارات بها المتميزة بجودتها وعذريتها فتقوم بخدمتها واستصلاحها حتى تعطي منتوجا وفيرا وجيدا ، ومع كل هذه الإكراهات تجد اقتصاد الصين وصناعتها يتصدران دول العالم ويعطيانها وزنا دوليا يقوي شأنها ويعظمه .
فماذا لو اجتمعت كل دول المغرب العربي ووحدت صفوفها وتركت الخلافات الصغيرة التي يمكن أن تختفي إلى الأبد بمجرد انغماسها فيما يجديها نفعا ويجعل منها قوة اقتصادية كبرى يستحيل مجاراتها من طرف أي كان من الدول العظمى ؟ وذلك لما يمكن للمغرب والجزائر وليبيا وتونس وموريطانيا أن تقدمه للاتحاد المغاربي من خدمة جليلة في إطار التكامل والالتحام والتعاون في كل المجالات سواء الاقتصادية والتجارية والفلاحية والدبلوماسية وغيرها التي يمكن أن تفتح مجالات التعاون أيضا في خلق فرص الشغل لشعوبها والرفع من مستواها المعيشي وترقى بها إلى الصفوف الأولى في التعليم والرياضة وفي كل مناحي الحياة معتمدة على طاقاتها البشرية الهائلة التي تناهز المائتي مليون نسمة في أفق سنة 2030 والتي تبشر بالخير لما تحمله من طاقات واعدة ناهيك عن الطاقات المغاربية المهاجرة الهائلة الرائدة التي تقدم خدماتها للغرب في بلاد المهجر في ميادين متعددة كعلم غزو الفضاء والطب والفيروسات والإعلاميات والسياسة وتسيير الشركات والعديد من العلوم المستعصية والمتقدمة ، بكل من الولايات المتحدة واليابان والصين وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وإسبانيا واللائحة طويلة من البلدان والمراكز المشرفة لنا ، ناهيك عن الطاقات الشابة الواعدة التي يزخر بها شمال إفريقيا المكون من بلدان المغرب العربي وأذكر كمثال على ذلك دون حصر ، ما أبان عنه المغاربة خلال فترة جائحة كورونا التي ضربت العالم ولم تستثن منه الدول العظمى لترديها تتخبط في العديد من المشاكل المختلفة والمتنوعة التي استعصى عليها حلها ولازالت تتخبط فيها إلى غاية اليوم لتفقد زمام الأمور وتعترف بفشلها في مواجهة الجائحة وتطلب يد المساعدة ممن لم يكن في مقامها وهلمانها ، بحيث استطاع المغرب أن يؤكد على قوته وعزيمته في التصدي للجائحة التي كانت فرصة للإفراج عن طاقاته الكامنة في مواطنيه لتتفتق عنهم قدرات هائلة وعالية في الابتكار والإبداع ، جعلت المجتمع الدولي يعجب منها وينوه بسموها ورقيها وفاعليتها ويتخذها قدوة حسنة .
لهذا فبإمكان دول المغرب العربي الاعتماد على مؤهلاتها التي لا يستهان بها سواء البشرية أو الطبيعية أو الاقتصادية أو غيرها مما حباها الله بها لتؤسس لقوة اقتصادية وسياسية هائلة ممكنة نظرا للتقارب الجغرافي والعقائدي واللغوي والثقافي والفكري والعادات والتقاليد المشتركة والتكامل الاقتصادي وخلق فرص جديدة للشغل تعد بالآلاف إن لم نقل بالملايين ، لتكون عند تطلعات شعوبها إلى مستقبل مشرق يضمن لها العيش بكرامة وعزة وحرية ، يتعايش فيه الجميع في أمن وسكينة وسلام … وللحديث بقية .
matchpresse.com

matchpresse.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.